لعله من المتوقع أن يعمل كل من النظام و مناوؤه بشكل دؤوب على التأثير على الرأي العام، سواءً منه الداخلي السوري، أو الخارجي العربي و الدولي. و مع أن آراءً كثيرة تتفق على أن أدوات النظام الإعلامية، سواء منها الرسمية أو غير النظامية، يجب ألا تمنح مصداقية عالية، إلا أننا لا نجد هذه الدرجة من الحذر في التعامل مع ما يرد من الطرف الآخر. بل إن هناك تماهٍ و تصديق شبه أعمى لكل الأخبار و التحليلات التي ترد من طرف مناوئي النظام، و سنحاول هنا أن نقارن بين طروحات الطرفين.

رواية معسكر النظام

تتمحور الرؤية المركزية للنظام حول تصوير الأزمة على أنها بشكل أساسي (ليس كلياً) نتاج مؤامرات أجنبية. و مع أن مسؤولي النظام لم ينكروا أن هناك مطالب محقة لبعض المتظاهرين، إلا أن جل الرسالة الإعلامية كان موجهاً بشكل شبه كامل باتجاه التحذير من “المؤامرات الخارجية.” ربما يمكن استثناء رئيس الجمهورية شخصياً من هذا التعميم، خاصة و أنه يبدو و قد أدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه في خطابه الأول، حيث لم يعبر بشكل موفق عن أسفه لوقوع ضحايا أبرياء، و لم يتناول المطالب المحقة للمحتجين بشكل مقنع، و لم يبد الاهتمام الكافي بها، بل انصب معظم خطابه حول المؤامرة التي تتعرض لها سوريا، و هو ما أغضب شريحة عريضة من السوريين.

منذ ذلك التاريخ، قدم الأسد عدة خطابات أخرى: حاور صحفيين من التلفزيون السوري، و تحدث مع وفد من رجال الدين في رمضان. خلال هذه الخطابات المتتالية، تحدث الرئيس بشكل أكبر عن الإصلاح، و بشكل أقل عن المؤامرات الخارجية. في خطابه الأخير في 10 كانون الثاني 2012، تحدث مجدداً عن الفرز بين من يريد الإصلاحات و الحقوق، و بين من يريد أن يستخدم الإصلاح كحجة لقلب النظام. و لكن إذا ما استثنيا خطابات الرئيس، فإن القنوات الإعلامية الرسمية و شبه الرسمية المختلفة استمرت في إهمال التناول الجدي لموضوع الحقوق و المطالب، و ركزت بشكل شبه كامل على روايات المؤامرات الخارجية، و التي كان منها ما هو معقول، و ما هو مبالغ فيه.

إضافة إلى التركيز على المؤامرة، فقد تميزت مقاربة الرواية الرسمية للنظام بتضخيم حجم التيارات العنفية و الطائفية بين المحتجين. نعم، كانت هناك اعترافات خافتة بأن العديد من المتظاهرين هم مواطنون شرفاء يرغبون بمستقبل أفضل لهم و بواقع أفضل لوطنهم، إلا أن معظم الجهد الإعلامي الرسمي و شبه الرسمي انصب على تسليط الضوء على متظاهرين أقل مثاليةً من هؤلاء، حيث تم التركيز بشكل شبه كامل على حملة السلاح و السلفيين و من يستلم الأموال من خارج البلاد بغرض بث الفوضى في سوريا. تمتلئ صفحات الفيس بوك الموالية للنظام بأخبار عن القبض على عناصر أجنبية (سعوديون، أفغان، و عرب آخرون) في عمليات خاطفة و “نوعية” للجيش و قوات الأمن السورية، و هو ما قد يكون صحيحاً. إلا أن امتناع السلطات السورية عن إظهار أية قرائن حسية تدعم مثل هذه الأخبار، من أسماء أو صور أو فيديوهات واضحة، يفتح الباب أمام الكثير من التشكك في مدى صدقية أخبار كتلك، و فيم إذا كانت لا تعدو كونها مبالغات هدفها صرف النظر عن الجانب السلمي من الحراك، و عن مطالبه المشروعة بالحقوق و الإصلاح.
أنقر هنا للمزيد

دولة المغتربين السوريين

بعد التفكير والتحميص والمتابعة استطعت الوصول إلى الحقائق الثلاث التالية:

1. النظام فاسد : وهذه حقيقة طبية مثبتة لم ولن تنجح معها كل محاولات العلاج لإستصال هذا الورم السرطان المستشري في جسد الدولة، بل على العكس فإن جميع المحاولات الإصلاحية التي طبقت سابقاً كانت تزيد من الفساد بطريقة أفظع أو أكثر احترافية، مثلأ تم إصدار قانون للسير الجديد لمحاولة ضبط الفساد والرشوة في صفوف عناصر الشرطة، فكانت النتيجة أن إزدادت قيمة الرشوة وتضاعفت أكثر فأكثر، وبالتالي فإن كل عملية إصلاحية بنفس الأدوات والأليات وينفس الأشخاص والمناهج لن تفضي لنتيجة ترجى.

2. المعارضة فاسدة : أليست هي ابن السلطة الضال، ألم يكن الكثير من رموزها دعائم لهذا النظام في فساده وحكمه ؟؟ بل وحتى المعارضين الذين سجنوا وعذبوا ألم يكن (وما زال) الكثير منهم يستقوي بالخارج للتغلب على النظام في الداخل ؟؟ لتتحول المعارضة التي من المفترض أن تكون ابنة الشعب المحبوبة التي تسعى لتحقيق أهدافه ومطالبه، إلى مجرد فئة تنازع النظام الحاكم على سلطته وسيادته .. بل الغريب أكثر أنه حتى هذا اليوم لم تخرج علينا معارضة وطنية لديها برنامج سياسي واضح أو أهداف منطقية أو رؤى إصلاحية، بل ما زالت تكتفي بالتنظير والكلام وبيع الأحلام الثورجية الرومنسية !! ألا يعتبر ذلك فساداً ..

3. الشعب فاسد : وهذا هو الأسوء والأكثر إيلاماً، وهنا لن أناقش بجدلية من أين أتى الفساد ومن عليه أن يصلح من، هل الشعب الفاسد هو من صنع نظام حكم فاسد أم العكس، ولن أناقش أيضاً بمقولة: كما تكونوا يولى عليكم .. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن الشعب بأطيافه المتعددة لديه تفكير فاسد وسلوك أخلاقي فاسد وربما تطلعات سياسية فاسدة حتى، ولكن الغريب بالموضوع أننا كأشخاص عندما نكون داخل سوريا نقبل أن نتصرف بطريقة فاسدة نوعاً ما، ولكن ما إن نهاجر إلى بلاد العالم المتحضر حتى تنتابنا موجة الحضارة والرقي والتصرفات الأخلاقية، وهذا يعني أن البيئة الفاسدة هي التي تولد تصرفات فاسدة ..
أنقر هنا للمزيد

بانتظار نابليون العرب !

لا أحد في العالم يرضى بالظلم والعدوان، أو يرضى دون الحرية بكل أبعادها بديلاً أخر، ولذلك من الطبيعي أن تقوم الشعوب كل حين بثورات لاسترداد حقوقها وكرامتها، وهذا حق لا ينكره أحد عليها .. ولكني أعتقد أن المشكلة الأكبر تكمن بمضامين هذه الثورات وبقياداتها، فليس من المعقول أن تقوم ثورة بتحرير الشعوب من ظلم لتضعهم تحت أظلم أكبر وأكثر إجحافاً .. أو لتغسل عقولهم من عقائد معينة ثم تعود لتأسرهم بأفكار وإيديولوجيات مقيتة ..

منذ بداية الثورات العربية رغم أهميتها وضرورتها وجدت أنها تفتقد للإيديولوجيا أو النهج، بل الأسوء من ذلك أنها تفتقد للقائد أو الموجه لسلوكيات الثورة، فلا ننسى أن غالبية الثورات الكبرى في العالم كان لها قائد يديرها ويوجه دفتها، يومها وفي بداية أحداث تونس قلتها بوضوح : الثورة من دون قائد هي ثورة من دون نتيجة .. لأنها ستكون مبادرات فردية لأشخاص يرغبون بالتغيير بأي ثمن كان، ولو كلفهم ذلك تضحيات غير ضرورية ..

في سوريا الوضع معقد جداً، فهي ليست بلداً في أخر العالم ليس لها وزن إقليمي ودولي، بل إن وزنها وتأثيرها يطال المنطقة بأكملها وربما العالم بمجمله في المرحلة المقبلة، ولهذا فمن السذاجة من يعتقد بأن الثورة ستحقق أهدافها بتجاوز النظام السوري، في الوقت الذي عجزت فيه أمريكا وأوربا في يوم من الأيام .. ولهذا لو أخذنا ميزان القوى الآن بعين الإعتبار فلا أعتقد أن المعارضة تستطيع أن تلغي النظام، ولا النظام بدوره يستطيع أن يلغي الحركة الإحتجاجية أو يقضي عليها، ويبدو أن أمام الإثنين الحل الوحيد وهو التلاقي والحوار، بغض النظر عن أية استفزازات تحدث هنا وهناك من هذا الجانب أو ذاك ..

لا أريد أن أظهر بمظهر المعادي للثورة ولكني شخصياً لم أكن أنتظرها لأحصل على حريتي، أو لأعرف حقوقي وواجباتي، أو لأختار مبادئي وأفكاري السياسية والفكرية والعقائدية .. لم أكن بحاجة لأشخاص ليتكلموا رغماً عني بما يرونه أنه الأفضل بالنسبة لي، لم أكن بحاجة لرؤية هذا الدماء والأشلاء المقطعة لأقتنع أن عليّ أن أنتفض من سباتي .. ولهذا سيبقى مأخذي على الثورة السورية أنها مبادرات فردية غير مترابطة تفتقد النهج كما تفتقد القائد الذي أثق به وأسير خلفه ..
أنقر هنا للمزيد

لازمنا حرب أهلية !!

أمام هذا الوضع المتفاقم في سوريا، وأمام هذا العناد و “التيسنة” التي يمارسها كلاً من النظام والمعارضة على حدٍ سواء، وبعد التدقيق والتمحيص والتشاور والتباحث مع أطياف النزاع كافة، اكتشفت لكم الوصفة السحرية التي ستنقذ البلاد والعباد مما نحن فيه .. إنها بكل بساطة “الحرب الأهلية” !!

دوماً يخطر لي هذا التساؤل، لماذا لا ندخل في حرب أهلية صغيرة تتقاتل فيها الطوائف والمذاهب والقوميات والأقليات مع بعضها البعض، والمنتصر منها أو بالأصح من يبقى منها له الحق حينها في حكم البلد والسيطرة عليه إلى أبد الأبدين .. ثم ما المانع في قيام هكذا حرب؟؟ “قطع سلاح” موجودة وبكثرة ويمكن أكثر من عدد السكان، “ناس مجانيين” هواة قتل وتدمير وخراب كمان موجودين وعم يزدادوا يوم بعد يوم، “طائفيين حقودين” متعطشين للانتقام والقتل أكتر منن ما في .. “محرضين ومثيري فتن” في منن صناعة محلية وفي منن استيراد .. اذاً لا نحتاج سوى إلى الفتيل الذي سيشعل تلك الحرب !!

بالإضافة لذلك كل المعطيات على أرض الواقع تشجع على تبني هذا الحل، لأن كلا الطرفين في النظام والمعارضة يخوضون صراعاً مميتاً على كرسي السلطة، وكلاهما يستخدمان الشعب بشقيه “المندس و الشبيح” في هذا الصراع، كلاهما يتبادلان الاتهامات ذاتها في القتل، والاتهامات ذاتها في التخوين وتوزيع شهادات الوطنية، كلاهما يستخدمان الكذب والتزوير في استعراض الأحداث، بس إنو مين فكركم بالنهاية عم يشتغل لمصلحة هالشعب المعتر، النظام هع هع ؟؟ ولا المعارضة ههههههه ؟؟

لهيك أحسن شيء إنو هالشعب يخوض حرب أهلية عسى ولعلى تخليه يفكر بمنطق وعقل أكتر .. تخليه ينضج سياسياً ويشوف ويقرأ الوقائع كما هي دون تزوير أو مبالغة، يمكن هالحرب تسبب له صدمة توعية ليتأكد من حقيقة أن الشعوب العربية كانت وما زالت تستخدم لتنفيذ أحلام المتصارعين على الحكم والسلطة والنفوذ، وليس لتنفيذ أحلامها في الحرية والعدالة والمساواة والعيش بكرامة .. هذا هو التاريخ وهذا هو الحاضر يؤكد ذلك ..

لماذا الحرب الأهلية ؟؟ لانه ببساطة لم يعد هناك مكان للمنطق أو العقل أو الحكمة، لم يعد هناك صوت مسموع للرجال والنساء الحقيقين لكي يعلو فوق أصوات الرصاص والعراعرة، لم يعد هذا زمن النخوة والشجاعة والإباء وإنما زمن الأحقاد والتشفي والانتقام .. ولذا سأبارك بهذه الحرب التي ستضع الجميع في نهايتها أمام حقيقة واحدة مجردة : لا أحد يستطيع أن يلغي أحد في هذا البلد، والحل الوحيد أمام الجميع هو الالتقاء والتقارب والعمل سوية !!

تم اختراق مدونتي الشخصية !!

كما هي العادة في كل صباح جلست أتصفح الانترنت وأنا أرتشف فنجان النسكافيه، ثم عرجت إلى مدونتي الشخصية لأطمأن عليها كما لو أنها النبتة الصغيرة التي أعتني بها كل يوم، وإذ أفاجأ بأن أحد الأخوة المؤمنين والذي يسمي نفسه (الطائر الحر) قد خرّب مدونتي وقام باختراقها وحذف كامل محتوياتها .. ثم بكل بطولة وفحولة وضع صفحة سوداء كتب عليها العبارات التالية :

” اللهم أنصر إخواننا في سوريا
اللهم مكن لهم ودحر اللهم عدوهم
النصيري الخائن الحاقد القذر
اللهم منزل الكتاب هازم الاحزاب اهزم عدوك اللهم انصر اخواننا في سوريا على من عاداك ونشر الرعب والخراب وهتك ستر اخواننا في سوريا ”

ثم زيلها بتوقيعه الشريف (رض) :
” لن تهنئ مواقعكم بسلام يا مرتزقة
تم الاختراق من قبل الطير الحر ”

أمام هذا المشهد المفاجئ في الحقيقة لم أمتلك سوى أن أضحك من أعماق قلبي وأنا أشاهد هذا العمل الطفولي الذي ينم عن غباء وجهل منقطع النظير .. لأتأكد يوماً بعد أخر أن الكثيرين في هذه الحياة ما زالوا يملكون أجسام البغال وعقول العصافير ..
أنقر هنا للمزيد