كثيراً ما أصادف قططاً مفعوسة تحت عجلات السيارات والشاحنات، ولاسيما على الأوتسترادات والطرق السريعة – الغير الموجودة أصلاً ولكن تجاوزاً – ، ولطالما سألت نفسي عن السبب الكامن وراء هذه المشاهد المأساوية التي تتكرر يومياً وفي كل المناطق على امتداد وطننا الحبيب .. ولكن بعد البحث والتدقيق والمتابعة المستمرة لهذا الموضوع اكتشفت السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة ، كلا أعزائي ليس كما تعتقدون بأن سرعة السيارات الطبيعية – أقصد الجنونية – هي السبب وراء ذلك، بل إن هناك أسباب كثيرة لم يتم الإلتفات إليها سابقاً سأحاول أن أوضحها لكم ..
بالطبع نتيجة أن بلدنا العظيم مليء بالجراثيم والأوبئة والقمامة الموزعة على كافة المناطق والمحافظات لهذا فإن القطط وبقية الحشرات الزاحفة والطائرة لابد وأن تشاركنا العيش ضمن نفس المنطقة .. ونتيجة لهذا التقارب بين تلك الحيوانات والمواطن السوري لابد وأن تحدث بعض الإحتكاكات والمشاحنات بين الفنية والأخرى .. ومن مظاهر هذه الإحتكاكات أن يعمد بعض الأطفال الذين تربوا وفق طرق وأساليب التربية الحديثة إلى ملاحقة كل قطة يجدونها في الشارع أو الحارة .. وإذا ساء حظ إحدى القطط ووقعت في أيديهم تصبح هذه المسيكنة هي اللعبة أو الكرة التي يتسلى بها هذا الجيل الصاعد ..
أيضاً إذا تعثر حظ قطة أخرى ومرت بجانب مواطن معتر راتبه لا يكفيه لنصف الشهر ويعيش يومياً بحالة السئ والنق المستمر من زوجته وأولاده، هذا المواطن المسكين في الحقيقة حينما يمشي في الشارع يتمنى لو أنه يجد أي كائن حي ليفش خلقو فيه، وبما أنه حالته ليست الوحيدة بل أغلب من يصادفهم من البشر يشاركونه نفس الهموم والمشاكل لهذا يعمد هؤلاء الأشخاص عادة إلى أن يفشو خلقهم بتلك القطط المغدورة التي لا تعرف في الحقيقة ما هو السبب الذي يجعلها تطير دوماً من ناحية لأخرى نتيجة رفسة أو شوطة من أحد هؤلاء الأخوة المواطنين ..
قراءة المزيد
الكاتب:
مستر بلوند
Feb
10
وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينات، في توقيت وصول الشاب خالد إلى النجوميّة العالميّة. أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد، كانت أغنية “دي دي واه” شاغلة الناس ليلاً ونهاراً. على موسيقاها تُقام الأعراس، وتُقدَّم عروض الأزياء، وعلى إيقاعها ترقص بيروت ليلاً، وتذهب إلى مشاغلها صباحاً.
كنت قادمة لتوِّي من باريس، وفي حوزتي مخطوط “الجسد”، أربعمائة صفحة قضيت أربع سنوات في نحتها جملة جملة، محاوِلة ما استطعت تضمينها نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذاً لماضينا، ورغبة في تعريف العالم العربي إلى أمجادنا وأوجاعنا. لكنني ما كنت أُعلن عن هويتي إلاّ ويُجاملني أحدهم قائلاً: “آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!”، واجداً في هذا الرجل الذي يضع قرطاً في أذنه، ويظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، ولا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبيّ، قرابة بمواجعي. وفوراً يصبح السؤال، ما معنى عِبَارة “دي دي واه”؟ وعندما أعترف بعدم فهمي أنا أيضاً معناها، يتحسَّر سائلي على قَدَر الجزائر، التي بسبب الاستعمار لا تفهم اللغة العربية!
وبعد أن أتعبني الجواب عن “فزّورة” (دي دي واه)، وقضيت زمناً طويلاً أعتذر للأصدقاء والغرباء وسائقي التاكسي، وعامل محطة البنزين المصري، ومصففة شعري عن جهلي وأُميتي، قررت ألاّ أفصح عن هويتي الجزائرية، كي أرتاح.
لم يحزنّي أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.
قراءة المزيد
الكاتب:
مستر بلوند
Jan
26
باريس باختصار نداء لكل فقراء وبؤساء العالم أن يظلوا حيث هم. فهي من القوة والجمال والمناعة بحيث تشعر وكأن كل بلاطة في أرصفتها وكل زجاجة عطر في واجهاتها وكل هديل حمامة في غاباتها وكل سيف في قبضات تماثيلها، تدفعك إلى الدهشة ثم الحسد، ثم الغيظ ثم الرحيل. كل شيء فيها: السياسة، الدين، الفن، الاقتصاد يبدو حرا ومرنا كراقص الباليه ومتماسكا كحلقات السلاسل حول أقدام الأسرى. وفي لحظات الحصار الخانقة أمام مواكب الجمال اللامبالية ثمة ما يدفع الغريب فيها ويستفزه استفزازا كي يتحرش بالمارة ويعترض طريقهم مثل “الإنسان الصرصار” في رواية دوستويفسكي الشهيرة للتخلص من وحدته ولفت الانتباه إليه، وكثيرا ما كنت أتخيل نفسي وأنا أعترض طوابير “الليدو” أو مواكب “الشانزيلزيه” وأصرخ: ولكن أنا من جبهة الرفض، من دول المساندة وقضيتنا عادلة واسرائيل مخلب قط للاستعمار. ولكن أي رفض وأية مساندة وأية مواجهة يمكن أن تجديك أو تلفت الانتباه إليك وأنت تتزحلق طوال إقامتك في شوارعها كما يتزحلق الصرصور في حوض الحمام.
ولكن بعد يومين أو ثلاثة من اقامتك فيها ينتابك إحساس من نوع آخر. إحساس انسان الكهوف، عندما يخرج إلى الغابة عند الفجر حيث يكتشف أن كل شيء أخضر ومضيء وأن كل ما حوله يوحي بالدعة والطمأنينة ويدعوه للمشاركة في كل شيء ودخول كل الأبواب حتى أبواب الإليزيه.
برج إيفل يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك صورة ذكرى.
نوتردام تدعوه وتقول تفضل وخذ لك ركعة أو قداساً.
والجمعية الوطنية تدعوه وتقول له تفضل وخذ لك درسا في الديموقراطية.
والحي اللاتيني يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك مناقشة أو طعنة سكين.
والباستيل يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك “فلقة” وتعلم كيف تكون الثورات.
نعم. الباستيل الذي كان رمزا للظلم والاستبداد طوال قرون، أصبح مجرد نصب وساحة يتنزه حولها الطلاب والعشاق والعمال والكتاب والشعراء والثوريون والفوضويون من كل أنحاء العالم. ويدوسون على أنقاض الظلم والارهاب مثلما يدوس العصفور على قشور البيضة التي خرج منها. وبالمناسبة، هذا السجن الذي أدى إلى سقوطه في يوم من الأيام إلى تغيير وجه أوروبا والعالم، عندما اقتحمه الثوار… لم يجدوا فيه سوى ثلاثة سجناء فقط بينما أصغر مسؤول في أي بلد في العالم الثالث يوجد في براد بيته أو خزانة ثيابه عشرة سجناء على الأقل.
قراءة المزيد
الكاتب:
مستر بلوند
Jan
15
كنت أقول دائما لا بد أن تأتينا حكومة تعرف الله، وآخر تصريح للحكومة هو التالي : إن رب العالمين سيساعدنا على تحقيق ربط الأجور بالأسعار . الكلام حرفي ( إن رب العالمين سيساعدنا ) أي لديهم قناعة وربما أخذوا ( الأوكي ) من الله سبحانه على مساعدتهم .. وفي تصنيف سابق لشركات القطاع العام قالت الحكومة : شركات رابحة ، وشركات بين بين ، وشركات حسبي الله ونعم الوكيل .. وفي تصنيفها للصحفيين قالت الحكومة : صحفي ملتزم وصحفي بين بين وصحفي حسبي الله ونعم الوكيل .
أقسم بالله العلي العظيم باسط الأرض ورافع السماء من غير عمد ، أني لم أذكر في هذه الزاوية كلمة زوراً عن لسان الحكومة ..
من كل ما سبق أفهم أن الخطة الخمسية القادمة ستقوم على الدعاء والصدقة، الصدقة بشكل خاص لأنها تدفع البلاء وتدفع الميتة السيئة كما يقولون، وليتها تكون للشعب وليس للمصارف .. ويقولون إن الدعاء لحظة هبوب الرياح أو نزول المطر يكون مفيداً، لأن الملائكة تكون في حالة تسبيح للخالق جلّ وعلا .. لذا أدعو الأخوة المواطنين للتوقف عن النق والتجني على الحكومة، والبدء منذ اليوم بالدعاء كي يديم الحكومة فوق رؤوسنا، لأنها صارت تعرف الله ..
إن أهم إنجاز عملته الحكومة هو إعلاء كلمة الله سبحانه وزيادة الإيمان عند الناس .. أي عندما قطعت الناس الأمل من كل الخطط والتصريحات وناخت تحت أثقل الضرائب والرسوم؛ ولم يبق للناس سوى الالتجاء لله سبحانه لعلهم يتخلصون من ذنوبهم ويعفو الله عنهم، وحسبي الله ونعم الوكيل .
_________________
فواز خيو – نقلاً عن (كلنا شركاء)
قرأت مقالة – مسلية – على صفحات موقع كلنا شركاء تحمل عنوان “السوريون يوقعون عقود خدماتهم على بياض!” للصحفي معن عاقل .. فأحببت أن أشارككم ببعض المقتطفات ..
لم يحدث حتى اليوم أن بادر أحدهم لرفع دعوى على أي من مؤسساتنا الخدمية (كهرباء – هاتف – موبايل – مياه) والأسباب قد تتوضح من خلال فشل محاولتنا إجراء استبيان لمعرفة ما إذا كان “المواطن” يقرأ عقود الاشتراك أو المقاولة أو الإيجار… إلخ مع المؤسسات الخدمية المختلفة قبل توقيعها، ومعرفة مدى التوازن الذي تحققه تلك العقود لطرفيها .. أقول فشل محاولة إجراء الاستبيان لأن العقبة الأولى التي واجهتنا هي الحذر، حيث تركزت استفسارات الجمهور حول الجهة الوصائية التي نتبع لها، والعقبة الثانية هي عدم قناعة هذا الجمهور بمثل هذه الأسئلة، فراح معظمه يلخص الموضوع بجملة أو جملتين دون أن يكلف نفسه عناء متابعة القراءة، وهنا نورد بعض هذه الإجابات:
• الخدمة المقدمة من الدولة ممتازة ولا اعتراض.
• وهل هناك جهة محايدة أعترض لها.
• لم أقرأ العقد لأنني لست طرفاً فيه وهناك شروط مفروضة وأنا وافقت عليها.
• مرة واحدة فكرت أن أعترض على مؤسسة وضاعت القصة في المحاكم.
• لم يخطر ببالي قراءة العقد، دفعنا الرسوم وفقط.
• لن أعترض على ما تقدمه الحكومة، أنا فلسطيني وأرى أن السوري يعيش بحبوحة.
• الحكومة مسؤولة عنا وعن أولادنا فلا اعتراض على ما تقدمه.
• لا داعي لقراءة العقد… الجوال جوال الحكومة والساعة ساعة الحكومة والدولة.
• ليس هناك جهات أخرى تقدم خدمات فلا يحق لنا الاعتراض.
• لا أحد يقرأ العقود ومن يدخل مؤسسات الدولة لا يصدق متى يخرج منها.
• هل تظنون أنفسكم في السويد … متى عملت الحكومة لصالحنا.
قراءة المزيد
الكاتب:
مستر بلوند
May
20
آه ما أكثر الواجبات في هذا الزمن وما أقل الحقوق .. ما أكثر الأبطال وما أقل البطولات .. وما أكثر الأعياد وما أقل السعداء .. ولذلك فالإنسان العربي الذي تأكد له بعد طول انتظار بأنه لن ينال من الحب إلا ما تقدمه له الأفلام المصرية والهندية، وأنه بعد الصفعات المدوية التي تلقاها عن كل سؤال سأله أو فضول بدر منه، لم يعد يتوقف عند الأنهار الكبيرة الهادرة من حوله على امتداد الأرض العربية أو منابعها ومصبّاتها في نهاية الأمر، وصار يكتفي بالطحالب والأعشاب النامية على ضفافها.
فهو مثلاً يستطيع أن يفهم ويتفهم، وبكل بساطة، الدوافع والأسباب التي تجعل المبدعين والمتفوقين العظام في الشعر أو الفن أو العلم أو الفلسفة يتعالون على من حولهم من الناس العاديين ويتصرفون على أساس أنهم من طينة غير طينة البشر، وبالتالي فهو يستطيع أيضاً أن يفهم ويتفهم الأسباب والدوافع التي كانت تجعل أياً من اخوته العاديين هؤلاء يتقبل هذا التعالي بكل رحابة صدر، ولا يترك فرصة أو مناسبة دون أن يعبّر عن ترحيبه واعتزازه به، كأن يسارع مثلاً وبكل طيبة خاطر لتقديم مقعده في الحافلة لبيكاسو، وفي الحانة لرامبو، وفي المسرح لغوته، ودوره في الفرن لماكسيم غوركي، وفي الجمارك لساره برنار، وفي الدوائر الرسمية لتشيخوف، وعلى إشارات المرور لهمنغواي، وفي العيادات الطبية لأينشتاين. ولكنه لا يستطيع أن يفهم أو يتفهم لماذا عليه هو أن يعطي مقعده في الباص والطائرة والمسرح والملاعب الرياضية ودوره في الطوابير الاستهلاكية والدوائر الرسمية والبعثات التعليمية والقروض المصرفية وعند الإشارات الضوئية والعيادات الطبية و”بالصرماية” لمن ليس متفوقاً في شيء، سوى أنه ينتمي، وبالصدفة، لهذا النظام أو ذاك أو إحدى القوى الدائرة في فلكه.
قراءة المزيد
بعد أن أصبحت التكتلات الاقتصادية والمؤتمرات الدولية موضة هذا العصر، كمنظمة أوبيك، والسوق الأوربية المشتركة ، تنادى عدد من فقراء العالم المتنوّرين لإقامة سوق مشتركة للدول المصدرة والمستهلكة للحزن والدموع، ودعوا إلى اجتماع تمهيدي في مكان ما في هذا العالم تحت شعار: يا تعساء العالم اتحدوا وتجمعوا ليسهل على الشرطة مراقبتكم واعتقالكم . وقد لبى هذه الدعوة عدد كبير من الوفود، وجاؤوا إلى مكان الإجتماع مشياً على الأقدام بزيهم الوطني التقليدي وهو السحنة العابسة والأطراف المرتخية.
وبعد أن تربعوا على الأرض وتبادلوا أعقاب السجائر وأعقاب المبادئ والشعارات، طلب إليهم رئيس الجلسة وهو – أكبرهم سناً وأكثرهم عبوساً – الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح شهداء بلادهم وشهداء الإنسانية جمعاء، فحاولوا ذلك ولكنهم لم يستطيعوا بسبب الإرهاق وسوء التغذية، وطلبوا السماح لهم – مع الأرسف الشديد – بتحيتهم وهو جالسون، فوافق على الفور وجلس قبلهم ونام من أول الجلسة حتى آخرها والتي تمخضت عن المهن والإعترافات التالية:
عريف الحفلة: أنا مطرب مغمور، اسمحوا لي أن أفتتح هذا المؤتمر بموال “خائن يا زمن” وشكراً .
المندوب الأول: أنا كأجير حلاق، سأقص لسان كل من يعارضني. والسلام عليكم .
المندوب الثاني: أنا كأجير صائغ، أينما ذهبت وأينما جئت لا أسمع إلا شعار “الوقت من ذهب” “الوقت من ذهب” يتردد على ألسنة السياسيين والموظفين والطلاب والمعلمين والمصححين، إذاً كيف وصلنا إلى هذا الواقع “التـنـك” ؟
قراءة المزيد