ارشيف شهر January, 2010

باريس باختصار نداء لكل فقراء وبؤساء العالم أن يظلوا حيث هم. فهي من القوة والجمال والمناعة بحيث تشعر وكأن كل بلاطة في أرصفتها وكل زجاجة عطر في واجهاتها وكل هديل حمامة في غاباتها وكل سيف في قبضات تماثيلها، تدفعك إلى الدهشة ثم الحسد، ثم الغيظ ثم الرحيل. كل شيء فيها: السياسة، الدين، الفن، الاقتصاد يبدو حرا ومرنا كراقص الباليه ومتماسكا كحلقات السلاسل حول أقدام الأسرى. وفي لحظات الحصار الخانقة أمام مواكب الجمال اللامبالية ثمة ما يدفع الغريب فيها ويستفزه استفزازا كي يتحرش بالمارة ويعترض طريقهم مثل “الإنسان الصرصار” في رواية دوستويفسكي الشهيرة للتخلص من وحدته ولفت الانتباه إليه، وكثيرا ما كنت أتخيل نفسي وأنا أعترض طوابير “الليدو” أو مواكب “الشانزيلزيه” وأصرخ: ولكن أنا من جبهة الرفض، من دول المساندة وقضيتنا عادلة واسرائيل مخلب قط للاستعمار. ولكن أي رفض وأية مساندة وأية مواجهة يمكن أن تجديك أو تلفت الانتباه إليك وأنت تتزحلق طوال إقامتك في شوارعها كما يتزحلق الصرصور في حوض الحمام.

ولكن بعد يومين أو ثلاثة من اقامتك فيها ينتابك إحساس من نوع آخر. إحساس انسان الكهوف، عندما يخرج إلى الغابة عند الفجر حيث يكتشف أن كل شيء أخضر ومضيء وأن كل ما حوله يوحي بالدعة والطمأنينة ويدعوه للمشاركة في كل شيء ودخول كل الأبواب حتى أبواب الإليزيه.
برج إيفل يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك صورة ذكرى.
نوتردام تدعوه وتقول تفضل وخذ لك ركعة أو قداساً.
والجمعية الوطنية تدعوه وتقول له تفضل وخذ لك درسا في الديموقراطية.
والحي اللاتيني يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك مناقشة أو طعنة سكين.
والباستيل يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك “فلقة” وتعلم كيف تكون الثورات.

نعم. الباستيل الذي كان رمزا للظلم والاستبداد طوال قرون، أصبح مجرد نصب وساحة يتنزه حولها الطلاب والعشاق والعمال والكتاب والشعراء والثوريون والفوضويون من كل أنحاء العالم. ويدوسون على أنقاض الظلم والارهاب مثلما يدوس العصفور على قشور البيضة التي خرج منها. وبالمناسبة، هذا السجن الذي أدى إلى سقوطه في يوم من الأيام إلى تغيير وجه أوروبا والعالم، عندما اقتحمه الثوار… لم يجدوا فيه سوى ثلاثة سجناء فقط بينما أصغر مسؤول في أي بلد في العالم الثالث يوجد في براد بيته أو خزانة ثيابه عشرة سجناء على الأقل.
قراءة المزيد

مستشار مفتي الجمهورية .. مسيحي

المهندس باسل قس نصر الله مستشار مفتي الجمهورية السورية يتحدث :
من الطبيعي بحكم عملي مع مفتي الجمهورية العربية السورية، أن أتواجد – أكثر من غيري – في الجوامع والمساجد، فأي مستشار لشخص ما، سيكون – في أغلب الأحيان – في الأماكن التي يتواجد بها هذا الشخص، سياسياً كان أم اقتصادياً أو دينياً أو غيره من الصفات.
وقد لا يلعب الدين أو الانتماء الطائفي، أهمية في اختيار مستشارٌ لسياسي معين أو اقتصادي أو حتى رياضي أو فني، إلا أن القارئ سيفكر (وهو معذور) أن مستشاراً لمفتٍ مسلم، لا بد أن يكون مسلماً، ولكنه سيفاجأ عندما أقول إنني مسيحي.
لا شك أن المفتي العام (الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون) لن يستشيرني في قضايا فقهية إسلامية ، وهو يعرف ما يعرف ومعه من علماء الدين الإسلامي من تلمع أسماءها، إلا أنه عندما يطرح نفسه كمفت لكل المواطنين في سورية (وليس المسلمين) علينا أن نفهم لمَ يوجد مسيحي في الصف الأول مع المفتي.

في العام الفائت وخلال مؤتمر في فيينا حضرته مع سماحة المفتي، قال لي السيد عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، بلهجته المصرية، وذلك بعد أن علم أنني مسيحي “دَه إنتو في سورية، إزاي تفكروا”، وتأكدت حينها أن الرسالة السورية في العيش المشترك بين مختلف الطوائف والتيارات الدينية قد وصلت واضحة، وخاصة، كان ذلك خلال مأدبة الغداء التي أقيمت على شرف الوفود المشاركة، وكنت على طاولة مستديرة مع كل من سفراء ألمانيا وفرنسا ومالطا لدى النمسا وآخرين.
كان المؤتمر يضم كل وزراء خارجية البلدان الأوروبية والعربية ضمن مؤتمر “أوروبا والعرب – شركاء في الحوار” بتنظيم من وزارة خارجية النمسا والجامعة العربية، يضاف لوزراء الخارجية عدد قليل جداً من المدعوين الخاصين لحضور المؤتمر وإلقاء كلمة في الجلسة الختامية “لإغناء المؤتمر”، وسماحة مفتي سورية كان الأكثر أهمية وذلك من خلال الاهتمام الزائد من قبل وزارة الخارجية النمساوية به.
قراءة المزيد

خطوة على طريق تقبل الأخر

كثيراً ما سألت نفسي هذا السؤال : هل اختار أحدٌ منا دينه وعقيدته ؟؟
وبرغم بساطة هذا السؤال لكني أجد أن جوابه معقدٌ للغاية .. نعم هل أنا الذي أخترت أن أكون على هذا المذهب ومن هذه الطائفة دون سواها ؟؟ .. بل أكثر من ذلك هل أنا الذي اخترت أن أولد من هذين الأبوين ضمن هذه العائلة في هذا الحي وفي هذه المدينة وفي هذا البلد وفي هذا الإقليم دون سواه ؟؟ أبداً لم أختر أي من ذلك ..
كانت مشيئة الله جلّ وعلا أن يزرع نطفتي في هذا الأب وأن تلدني هذه الأم وأن يربيني هذا المجتمع وأن أتدين على دين وعقيدة البيئة التي ولدت بها .. وأن أكتسب أفكار المحيطين بي وعاداتهم وتقاليدهم وأحكامهم المسبقة حتى ..

إذاً .. لماذا التعصب ؟؟ كيف لي أن أكون متعصباً لدين لم أختاره ولعقيدة فرضها عليّ المجتمع والأهل ، كيف أكون متعصباً لجماعة ضد جماعة أخرى في الوقت الذي كان من الممكن أن أولد عند هؤلاء الذين أعاديهم وأسخفهم ..
هذا ما اصطلح عليه بـ “صدفة الولادة” وبما أننا نؤمن بالله تعالى ونعلم أن لا شيء في هذا الكون هو محض صدفة دعونا نقول “احتمال الولادة” .. ما احتمال أن أولد مسلماً سنياً أعيش في دمشق وأتربى على أفكار وعادات معينة ؟؟ وما هو احتمال أن أولد مسيحياً كاثوليكياً أعيش في لبنان وأتربى على عادات وتقاليد مختلفة ؟؟ وما هو احتمال أن أولد في التبيت وأن أكون بوذياً ؟؟ ما احتمال أن أولد في فلسطين وأحارب الأسرائيليين أو أن أولد في إسرائيل وأحارب الفلسطينيين ؟؟ ما احتمال أن أولد في أي بلد أوربي وأعيش الآن برفاهية وحياة هادئة وسعيدة ..

حتماً كل هذه الإحتمالات متساوية تماماً لا اختلاف بينها نهائياً .. كل ما هنالك أن مشيئة الله تعالى إختارت لي أو لأي أحد منا أن يولد من هذين الأبوين وفي هذا المجتمع وفي هذا الزمان والمكان .. وبعد أن ولدنا صفحة بيضاء على فطرة المحبة والتسليم لله وحده (وليس دين الإسلام) ربانا أهلنا على عاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم ولاحقاً على دينهم وعقيدتهم .. لم أسمع بأي أبٍ بعد أن بلغ ابنه الرشد أحضر له الثلاثة كتب السماوية وأضاف من عنده سبعة كتب أرضية وقال لإبنه : هذه هي الأديان الموجودة حالياً اختر العقيدة التي تناسبك وامشي عليها .. حتماً لم يفعل أحدٌ ذلك بل إن كل أهلٍ علموا أبنائهم دينهم وعقيدتهم لتستمر الأجيال وتتعاقب وهي على هذا المنوال ..
قراءة المزيد

الخطة الخمسية هي الدعاء والصدقة

كنت أقول دائما لا بد أن تأتينا حكومة تعرف الله، وآخر تصريح للحكومة هو التالي : إن رب العالمين سيساعدنا على تحقيق ربط الأجور بالأسعار . الكلام حرفي ( إن رب العالمين سيساعدنا ) أي لديهم قناعة وربما أخذوا ( الأوكي ) من الله سبحانه على مساعدتهم .. وفي تصنيف سابق لشركات القطاع العام قالت الحكومة : شركات رابحة ، وشركات بين بين ، وشركات حسبي الله ونعم الوكيل .. وفي تصنيفها للصحفيين قالت الحكومة : صحفي ملتزم وصحفي بين بين وصحفي حسبي الله ونعم الوكيل .

أقسم بالله العلي العظيم باسط الأرض ورافع السماء من غير عمد ، أني لم أذكر في هذه الزاوية كلمة زوراً عن لسان الحكومة ..
من كل ما سبق أفهم أن الخطة الخمسية القادمة ستقوم على الدعاء والصدقة، الصدقة بشكل خاص لأنها تدفع البلاء وتدفع الميتة السيئة كما يقولون، وليتها تكون للشعب وليس للمصارف .. ويقولون إن الدعاء لحظة هبوب الرياح أو نزول المطر يكون مفيداً، لأن الملائكة تكون في حالة تسبيح للخالق جلّ وعلا .. لذا أدعو الأخوة المواطنين للتوقف عن النق والتجني على الحكومة، والبدء منذ اليوم بالدعاء كي يديم الحكومة فوق رؤوسنا، لأنها صارت تعرف الله ..

إن أهم إنجاز عملته الحكومة هو إعلاء كلمة الله سبحانه وزيادة الإيمان عند الناس .. أي عندما قطعت الناس الأمل من كل الخطط والتصريحات وناخت تحت أثقل الضرائب والرسوم؛ ولم يبق للناس سوى الالتجاء لله سبحانه لعلهم يتخلصون من ذنوبهم ويعفو الله عنهم، وحسبي الله ونعم الوكيل .

_________________
فواز خيو – نقلاً عن (كلنا شركاء)