أعتقد أنكم سمعتم عن الإعتداء الذي حدث ضد قناة الجزيرة ومراسلها إلياس كرام بينما كان يقدم رسالته عن الأوضاع في فلسطين المحتلة .. وكيف تحولت الرسالة عن مسارها بعدما تقدمت مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين وأخذت تشوّش عليه : شباب يحملون العلم الإسرائيلي وهم يصفقون بأيديهم ويصنعون إيحاءات بأصابعهم ويوجهون الشتائم للكاميرا ..

حينها انبرى كرام ليقول: « انظروا إلى هؤلاء العنصريين المتطرفين، ذلك هو نتاج التحريض الأرعن الذي مارسه بعض الصحفيين الإسرائيليين ضد “الجزيرة” وضد مدير مكتبها في بيروت غسان بن جدو، بعدما اتهموه بأنه يستقي معلوماته من عناصر “إرهابية” في جنوب لبنان » ثم أضاف: « انظروا كيف تقف الشرطة مكتوفة الأيدي إزاء ذلك الاعتداء، على الرغم من محاولات التخريب علينا ». فكان رد الزميلة جمانة نمور من الاستديو في قطر: « على كل .. وقوفك هناك دليل على أنك تقوم بتغطية موضوعية »

هذه الحادثة أعادت إلى ذاكرتي التغطية الإعلامية التي كانت تقوم بها الجزيرة من داخل الكيان الإسرائيلي أثناء عدوان تموز 2006 ، وكيف أنها اتخذت من شعارها “الرأي والرأي الأخر” منطلقاً لتفسح المجال للناطق العسكري الإسرائيلي ليتهجم بعربيته المكسرة على حزب الله وعلى المقاومة “الإرهابية”، مستغلاً بذلك الفرصة ليمارس إحدى أهم أدوات الحرب النفسية والإعلامية من خلال شاشة القناة الإخبارية العربية التي لها أكبر نسبة مشاهدة ..

إن نظرتي لقناة الجزيرة هي النظرة التي تقول “شو حربوقة هالقناة” ، حقاً إنها تملك من الدهاء ما لم تستطع أية قناة سواءُ أكانت تدّعي الإستقلالية أو التبعية أن تفعل مثلها .. إنها تملك من الذكاء ما يجعلها تلعب على الحبلين .. فهي تلعب على الشعوب وتلعب على الحكام .. تكسب القريب والضعيف لتمرر مشاريع البعيد والمتكبر .. تقنع المشاهد بحياديتها وموضوعيتها، وبذات الوقت تنشر ما هو مصرح لها بنشره فقط .. تقف مع الضحية وتتضامن معه، وبذات الوقت تنقل ما يقوله الجلاد والمعتدي ..

ولكن الحادثة الآن أثبتت فشل شعارها هذا ، على الأقل من إحدى زواياه .. فرغم أنه أحد أهم مبادئ الديمقراطية الحقيقية، ولكن في كثير من المواقف هي مرغمة ألا تقف على الحياد مكتوفة الأيدي لتستمع لرأي الطرفين .. فليس من المعقول أن تذهب للمعتدي والمجرم الذي يقتل ويذبح ويرتكب أبشع الجرائم لتسأله عن رأيه فما يفعله وفيما يقترفه .. إنو لا خيو أنا بدي أعرف شو رأيك بالموضوع .. أنت ليش بدي تقتل النساء والأطفال .. وليش بدك تهدم البيوت والمراكز .. لازم أعرف أنا مع الرأي والرأي الأخر ..

لهذا لا أعتقد أنه من الموضوعية ولا حتى من الحيادية أن تقف مثل هذه القناة لتستطلع رأي الإسرائيليين فيما يقومون به .. وإذا كانت حقاً تدّعي الحيادية والموضوعية فلماذا لا تنقل لنا أخبار المقاومة وأعمالها .. لماذا تبخـّس بإنجازات المقاتلين وآثار صواريخهم على المستوطنات الإسرائيلية .. لماذا لا تحصي عدد الصورايخ اليومية بدلاً من أن تحصي عدد القتلى والجرحى وكأنها في مزاد علني .. لماذا لا تذكر بطولات المقاومة على الجبهات في الوقت الذي تنقل كل تحركات الجيش الإسرائيلي .. هي أسئلة كثيرة تجعلني أقتنع أكثر أن هذه القناة “حربوقة” دوماً ولكنها ليست موضوعية في كل الأوقات ..