ما إن أكملت قراءة الإيميل الذي كان يحمل دعوة التدوين ضد الشذوذ الجنسي أو المثلية حتى شعرت بحالة إستفزاز وعصبية .. كان الموضوع حساساً للغاية ويحتاج منا أن نقف لنقول كلمتنا ضد هذا السلوك الخارج عن الفطرة .. ولكن في الحقيقة ليس هذا ما استفزني، بل الدعوة بحد ذاتها هي التي دفعتني إلى تغيير موقفي، فبدلاً من أدون ضد المثليين .. وجدت نفسي أدون ضد من يدعو وبهكذا طريقة إلى سحق المثليين ..

سحق المثليين، هل هذا الذي فهمته من الدعوة ؟ أقول : هذا ما كانت تحمله الكلمات بين السطور، وربما كان هذا هو الهدف المبطن من الدعوة .. بداية دعوني أوضح بأني ليست هنا في معرض الدفاع عن المثليين ولا حتى الدفاع عمن هم ضد المثليين، فليدافع كل منهم عن نفسه وعن أفكاره كما يحلو له .. ولكن لا أستطيع أن أتقبل هذه الطريقة الإلغائية القمعية في موضوع يحتاج إلى كل الإتزان والحكمة في معالجته والنقاش حوله ..

بنظرة بسيطة تجد بداية أن المدونين الإسلامين هم من دعوا إلى تلك الحملة وهم من صاغوا بيانها والإعلان عنها وهم أكثر من شاركوا بها.. ستسألني : ألا أصنف نفسي من الإسلاميين ؟ أقول : نعم ولا أتهرب من ذلك، ولكني أرفض وبشدة هذه الطريقة في التعاطي مع هذا الموضوع .. لأن هناك مجالات للإصلاح أهم بآلاف المرات من هذه الدعوة، فلماذا لا نجد دعوات للإرتقاء بالإسلام بدلاً من التحجّر والتقوقع، دعوات ضد الظلم والطغيان والتسلط، دعوات ضد الفساد والسرقة والقتل باسم الدين، وأهم الدعوات (برأيي) ضد فساد مشايخ السلطان وحماة الدين .. لماذا كلما ظهرت بدعة جديدة تجد من ينبري لمحاربتها وينسى كل البدع التي أحدثت سابقاً في الدين وكان هو شريكاً بإستمرارها، ببساطة هذا هو التمسك بقشور الدين التافهة على حساب اللب والجوهر والمضمون الصحيح ..

هل أحداً من الإسلامين لديه تصور عن فكرة الدولة الإسلامية الحقيقية التي يحكمها الوالي المنتخب، أفكار عن الفلسفة الإسلامية، عن الإقتصاد الإسلامي، عن منهج المجتمع الإسلامي، عن تطوير العلوم بطريقة إسلامية، على الأقل رؤية واضحة لإستيعاب ظواهر الشذوذ في المجتمع وطريقة معالجتها، إسلوب لتقبل المعارضة واستيعابها ضمن مشروع الدولة الإسلامية إن وجدت، طريقة غير إلغائية للتعامل مع باقي الطوائف والمذاهب ضمن تلك الدولة .. إذا لا يحق لمن لا يملك ولم يفهم بعد جوهر ومضمون هذا الدين أن يأتي ليحاكم وليصنف الناس إلى الجنة والنار، لأنه حقاً لو كان يملك تلك الرؤية الواضحة، لتعاطى من موضوع كالمثليية بعمق أكبر بعيداً عن العاطفية الدينية التي يتم الإستعانة بها دوماً كلما ظهرت بدعة جديدة، بعيداً عن كلمات الدين الرنانة الناهية عن منكر والمتغاضية عن منكرات أكثر سوءاً ..

إذا هي دعوة “لتوعية الناس ضد هذه الرزيلة” .. ومن قال إن الناس لا تعلم أن المثليية هي شيء خارج عن الطبيعة، بل أليس من الأولى أن تتم التوعية لأمور أكثر خطورة على المجتمع كالإيدز مثلاً، أليست العلاقات بين الشباب والشابات هي أكثر بأضعاف المرات عن العلاقات بين المثليين .. بل هناك أمور أبسط بكثير ولا أحد يتكلم بها ولم نسمع عنها سابقاً، فلماذا لا يتم تنظيم حملات للتوعية عن ضرورة الإلتزام بالقانون مثلاً، أو عن أهمية ثقافة الشارع، التدخين عند الأطفال والمراهقين، التسرب المدرسي، مناهج التعليم، دعم المتميزين .. ربما لو بدأت بسرد مشاكل المجتمع العربي أو الإسلامي لقامت القيامة وحانت ساعة الحشر وما انتهيت من ذكرها ..

في النهاية ولكي لا أصنف مباشرة مع المدافعين عن المثليين، دعوني أذكركم بموقفي تجاههم والذي ذكرته في أماكن عديدة كان أخرها هنا .. ومع هذا أرفض بتاتاً أن يصنف هذا الموضوع ضمن حملة التدوين ضد المثلية ..