ربما كان من محض الصدفة أن عرض على الفضائية السورية فلماً وثايقياً عن “فيروز .. درة الشرق” بالتزامن مع عرض حفل فني راقص لإحداى فنانات هذا الجيل على إحدى الفضائيات العربية المشهورة .. ولكن هذه الصدفة هي التي جعلتني أفكر كثيراً في هذا السؤال : هل من المعقول أن الزمن لم ينتج لنا سوى فيروز واحدة ؟؟ أستغرب كثيراً حينما أرى أن أعداد الفنانات العرب بلغ حداً يستحيل علينا حصره ولكن على الرغم من ذلك لم ترتقي ولا واحدة منهن إلى مستوى فيروز إلا القليل القليل .. القليل منهم من أمثال جوليا بطرس ولينا شماميان ..

بالنسبة لي كانت أغاني فيروز هي أولى الأغاني التي سمعتها في حياتي ومن بعدها اتخذت قراراً بعدم تلويث مسامعي بأيٍ من تفاهات هذا العصر العجيب ، وحتى الآن لم أندم على هذا القرار ، أتسائل أحياناً.. في طول البلاد وعرضها كم عدد الفنانات اللواتي احترمن انسانيتهم على الـ “stage” كما احترم فيروز انسانيتها على المسارح وفي الأفلام ، كنت أتمنى في ذلك الفلم لو أن فيروز تمايلت قليلاً على مسرح ما أو أنها تفاعلت على الأقل مع أغنيتها ولكنها كما عهدناها تحترم مشاعر وأذواق من يسمعوها ، أما فنانات هذه العصر فهم أساساً ما احترموا قيماً ولا عرفاً ولا ذوقاً في أنفسهم لكي يحترموا مشاعر من حولهم ، فيروز كانت تغني فتلهب الأحاسيس وأرقى المشاعر الإنسانية ، أما أولئك الفنانات فأيضاً ألهبوا مشاعر من حولهم ولكن على طريقتهم الجنسية الخاصة ، فيروز ما غنت إلا عشقاً وكرماً وفناً ، أما أولئك فما غنوا إلى نشاذاً وكفراً وغباءً ، كانت كل قصيدة وكل أغنية لفيروز هي تحفة فنية بحد ذاتها ، أما أغاني هذا العصر فهي من نفس الموديل والطعم لا تفرق بين واحدة وأخرى ، إذا سمعت أغنية لفيروز أحببتها من أول مرة ومهما كررتها فلن تشعر بالسأم منها ، أما أغانينا الحالية فهل تعلق واحدة منها في الذهن أكثر من شهر أو شهرين وهو الدليل على مدى هذا الهبوط والتدني الذي وصلنا إليه ، لن أقارن أكثر لأن الثريا في السماء لا يقارن بالثرى في الأرض ، وأيضاً لكي لا يتهمني أحد بأنني “مهرطق” ولا أفهم بالفن شيئاً ، ربما أنا كذلك في نظرك ولكنني أتحدى من يأتيني بأغنية على مستوى أغاني فيروز أو دونها بقليل حتى..

أغاني من مثل: في قهوة على المفرق في موأد وفي نار ، المحبة ، أنا عندي حنين ما بعرف لمين ، أنا لحبيبي وحبيبي إلي ، بكتب اسمك يا حبيبي ، جاءت معذبتي في غيغب الغسق فقلت نورتني يا خير زائرة ، …. إلخ

موسيقى من مثل: إرجعي يا ألف ليلة ، لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا ، وقمح ، حبيتك تنسيت النوم يا خوفي تنساني ، أنا وشادي غنينا سوى ، …. إلخ

كلمات من مثل: أعطني الناي وغني فالغنا سر الوجود ، أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن ، أمس انتهينا فلا كنا ، بعلبك أنا شمعة على دارجك وردة على سياجك أنا نقطة دم بترابك ، …. إلخ

والكثير الكثير مما لا يتسع المجال لذكره ، ففيروز لم يعجز أمامها لحن ولا قصيدة فغنت بكل الأطياف والألوان وأبدعت بكل شيء ، وها هو التاريخ سيسجل بأنه في عصر من العصور وجدت درة براقة سماها الرحابة “فيروز” ، أضاءت في السماء كمثل النجم الساطع في حنكة الليل المظلم ، فهل سيسجل التاريخ يا ترى ولادة أخرى ؟؟ أترك الجواب لكم …

“ولنا كلام كثير فدمتم سالتين”