عماد مغنية .. الحاج رضوان .. الأسطورة .. الشبح .. الذئب .. ألقاب كثيرة لرجل عاش في الظل والخفاء وحينما استشهد أضاء نوره كالشمس في كبد السماء .. الكثيرون من مناصري المقاومة وحتى رجالاتها لم يعرفوا أنه كان العقل المدبر ورجل الاحتمالات في تنظيم حزب الله السري ، كل ما عرفوا عنه أنه “الحاج” الذي يخطط ويدبر الخطط العسكرية والتكتيكية لمجابهة الاسرائيلين ، فكان مهندساً لحرب تموز 2006 وللانتصار المدوي للمقاومة ، وكان صلة الوصل بين المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية ، وبين إيران وسورية من جهة وحزب الله من جهة أخرى ، هذا ما نعلمه حتى الآن ولكن ما خفي أعظم وربما الأيام القادمة قد تكشف الكثير مما لا نعرفه .. ولكني أعتقد أن عماد مغنية سيبقى واحداً من الأسرار الكبيرة التي لن يفرط بها حزب الله ببساطة رغم احتفائه الكبير بشهادته بطريقة منقطعة النظير لم تحدث من قبل خلال تاريخ الحزب كله . .

فكان أجمل ما في هذا الاحتفاء هو زف الشهيد إلى رضوان ربه وإلى رفاق دربه الذين لطالما تمنى الحاج رضوان اللحاق بهم ، فكان زفاً بالأرز والورود البيضاء والحمراء ، زفاً بالأناشيد والتهليلات والتبريكات لعائلته التي اختار الله منها كل شبابها ليكونوا إلى جواره ، زفاً بالدموع المعطرة بعبق الشهادة والخلود ، زفاً بفرحة الأمهات اللواتي لديهن شهيداً مثله وما زلن مستعدين للتضحية ، زفاً باشتياق الأرملة لزوجها الشهيد وافتقاد اليتامى لوالدهم الشهيد ، زفاً لم يزف به عريس من قبل فكيف بمن حمل نعشه على كتفه ودماءه بين يديه منذ أن كان فتياً .. ألا يستحق مثل هذا الاحتفاء . .

حاج رضوان من كان ليتخيل أن باستشهادك سيتغير التاريخ نحو أفق جديد ونصر أكيد كما طلبته من رب العزة وسعيت له بعزيمتك وتضحياتك ، سيكتب التاريخ الآن أن الأرض ولدت عماد مغنية في زمن الجبناء والخونة ولكن حينما استشهد وسال دمه الطاهر أشرق منه زمن جديد وفجر جديد . .

سطّر الثالث عشر من شباط ذكرى أليمة ومدوية في ثنايا شباب «الحزب» بشكل عام، والذين تعرفوا مؤخراً ـ عبر الصحف وشاشات التلفزة ـ على سيرة «العمود الفقري» في «حزب الله» الحاج رضوان… عماد مغنية .

ما نشر في الصحف وظهر على شاشات التلفزة من معلومات ووثائق تحكي سيرة «العقل المدبر» في «حزب الله» قد ارتكزت حلقته حول الحياة العسكرية والمهنية التي رافقت الحاج رضوان، استشهد عماد مغنية، وخلّف وراءه عائلة يحق لمن اكترث لهول الخبر وحجمه ـ الزلزال أن يسأل، أو يسعى لالتقاط بعض من كواليس تللك العائلة التي توارت عن عدسات الكاميرا وعيون الصحافيين.

فاطمة، مصطفى، وجهاد. إنهم فلذات كبد عماد مغنية الذي انتقى «أم مصطفى» لتكون له الزوجة «الحديدية» ولهم الأم المسؤولة. قبل عملية الاغتيال، كانت هذه العائلة ترقد في غياهب المجهول عند الغرباء، وترتقي في خانة العائلة المتواضعة، عند الأقرباء.

في عينيه الثاقبتين، وسحنته، ووجهه شبه لوالده. ذقنه تنتظر ظهور لحيته، إنه جهاد مغنية، ابن السابع عشر ربيعاً. يحمل سبحة في يد، يتقدم الينا ويصافحنا باليد الأخرى، ويجلس متوقداً.

الخبر الرسمي أعلن على شاشة «المنار» الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، عقب انفجار تردد أنه أودى بحياة شخص، في كفرسوسة الواقعة في قلب دمشق. كان الخبر الأول عادياً عند عامة الناس. ماذا عن العائلة، وكيف تلقفت النبأ؟ انتظرت عائلة الشهيد هذا الخبر منذ البداية، وكانت تعرف أن الطريق الذي اختاره الحاج رضوان سيؤول عاجلاً أم آجلاً الى النفق المشرق والمشرّف: الشهادة في سبيل الله. وقد شدّت عزيمتها من الباكورة الأولى للحاج، ما أتاح لها فرصة أن تكون مستعدة ومجهزة نفسياً.

الساعة تشير الى الحادية عشرة ليلاً. إنها ليلة الأربعاء. العائلة مجتمعة في المنزل. «لم نستوعب الخبر من الشخص الذي أورده الينا، وكان بمثابة الصدمة، لكن في نفس الوقت أدركنا أن طريق والدي هو طريق ذات الشوكة»، يقول جهاد. ساد الذهول والارتياب في أرجاء المنزل في تلك اللحظة. وتبدلت الأدوار: الأم تجول على أولادها وتهدئ من روعهم مذكرةً إياهم بمصيبة كربلاء والإمام الحسين!!

يقول مصطفى إنه شعر بفراغ كبير، وأذهله الخبر من حيث الطريقة «لم يستطيعوا النيل منه وجهاً لوجه، فغدروه لأنهم جبناء، وحمقى في نفس الوقت!» . جبناء بسبب آلية الاغتيال: الغدر، وحمقى لأنهم أعطوه ما كان يتمنى ويسعى اليه: الشهادة. يردف جهاد بأن والده قد انتصر على الإسرائيلي في العسكر وفي الشهادة.

هل تعتقد بأنه سيحل أحد ما مكان والدك ويوازي عبقريته وعقله؟
«كلا! من سيخلف والدي سيكون مثله وأقوى منه، فهم تلامذته»!

أعطى الحاج رضوان الوقت حقه، فكان يخصص وقتاً لحياته المهنية وآخر لحياته العائلية. وما كانت تخفى عنه صغيرة أو كبيرة. «كان الأب الحنون، القائد، العاطفي والقاسي، المخطط والشجاع. وكان دائماً يسألنا عن دراستنا ويتابع أمورنا الشخصية. وكنا نلتقيه كل يوم»، و«كان عاطي لكل شي وقته»، يلفت مصطفى، ابن الحادي والعشرين ربيعاً.
يتجلى المشهد في العائلة التي ارتأى للبعض أن يراها مكسورة ومحبطة، بطريقةٍ غريبة وهي أشبه بعرس النصر وانتظار يوم الثأر لدم الشهيد الذي خرّج الكثر من أمثاله.

يرى جهاد في «السيد حسن» صورة الأب الحالي، و«نحن رهن إشارته». كما يشير الى أن المسيرة ستستمر والرد سيكون قاسياً جداً!
وهل من رسالة تود أن توجهها لوالدك؟
«الى الرضوان يا والدي رضوان، وأتمنى أن ألقاك في الجنة وألتحق بك!».

هذا عن أولاد الحاج رضوان ماذا عن زوجته وأمه؟

أم عماد والدة الشهيد مغنية جلست على الكرسي المخصص لها طوال النهار، وإلى جانبها الزوجة والنسوة الأقارب، ونساء عدد من رجال الحزب. تتقبل التعازي، كأنها واحدة من جموع المعزين.

تنظر إلى الصفوف التي تمتد أمامها بعيون متعبة، تمد يدها الى الوافدات، يقبل عدد منهن رأسها أو يدها ثم ينصرفن. ليست امرأة تستهوي الكلام الخطابي، هي ببساطة امرأة ولدت في ظل احتلال، فكانت كلماتها مباشرة أمام أولادها، لكن ذلك شكل بداية خروجهم نحو طريقهم. كان عماد ولدها الذي اصبح قائداً نبيها في صغره، وقد لفت ذلك نظرها، لم تشر إلى تلك الصفة لكي تدلل على ما اصبح عليه، قالت ذلك لأنها ولدته وتعرفه.

في قاعة الجامع تعكس النساء عقيدة الحزب مثل مرآة. نساء متشابهات في الأزياء، لا فرق بين امرأة عادية وبين زوجه مسؤول، لا نواح كما اعتاد أهل العزاء في لبنان. للشهداء طقوسهم الخاصة، إبن أو زوج أو شقيق. تعلو الأناشيد وآيات من القرآن الكريم في أرجاء القاعة، تتهامس النساء أو يبكين بصمت.

بين نشيد وبين آخر : «نم قرير العين إننا في الساح، أنت للحسين آن أن ترتاح».
الحسين هنا ابن الزهراء، وهن المتشبهات بها، لا يتعبن من تلك المقارنة. تقول زوجة الشهيد منذر رمال من الدوير إنها تفتقده طبعاً، لكن ما جرى لها لا شيء أمام ما جرى للسيدة الزهراء.
تعبر عن ذلك بسهولة، بقناعة، مثل زوجات معظم الشهداء. يصعب شرح معنى ما يقلنه بكلمات مصاغة، عليك الجلوس في مواجهة أولئك النسوة والاستماع الى كلماتهن. ويمكنك أن تبحث فيما بعد، ما شئت في سر ذلك الانشداد.

وكوني أثق بكلام الأمين العام السيد نصر الله فأقول : علينا الآن أن نؤرخ التواريخ لما قبل عماد مغنية وتواريخ ما بعد عماد مغنية . . .

_______________
منقول عن موقع وعد