احتفلت الدول العربية في الثالث من شهر تشرين أول المنصرم بيوم الطفل العالمي ، بناء على توصية رسمية من اليونسكو عممتها على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وقد أقيمت بهذه المناسبة مختلف الندوات التربوية والاحتفالات الترفيهية، ألقيت المحاضرات التي تنوه بأهمية الطفل في المجتمع وتحث على ضرورة العناية به صحياً واجتماعياً ونفسياً ووطنياً، لما له من دور بارز في مستقبل أمته وتطورها.

والواقع أن الدول العربية، على اختلاف ميولها وأنظمتها، بدأت في الآونة الأخيرة تولي اهتماماً متزايداً بتربية الطفل والطفولة وتقدم كل ما من شأنه أن يساعد في نمو هذه البراعم الصغيرة وتفتحها وصقل مواهبها وإمكاناتها بما يتفق وأحدث أساليب التربية المعاصرة ولذلك فهي لا تفوت فرصة لحضور أي مؤتمر عالمي يتعلق بالطفل والأطفال حتى ولو كان هذا المؤتمر سيبحث في شؤون “المصاصات والحفاضات”.

أما على الصعيد القطري لكل دولة فيبدو الاهتمام بالطفل العربي أكثر جدية وشمولاً فعلى صعيد الثقافة مثلاً بالإضافة إلى ما يصدر حالياً من مجلات مخصصة للأطفال – كميكي وسوبرمان وتان تان وسمر وبساط الريح والسندباد وسعد وسعدون وحمد وحمدون – من أقصى المشرق العربي إلى مغربه فإن المؤسسات الثقافية والتربوية في كل دولة ترصد المبالغ الضخمة في ميزانيات كل عام لإصدار المزيد من هذه المجلات والمطبوعات وهي تحشد لهذه الغاية أشهر الخطاطين والمحررين ورسامي الكاريكاتير لتقديم للطفل العربي الغالي أمتع القصص المصورة التي تغذي خياله وأغرب الوقائع التاريخية التي تثير مشاعره وأنبل الحكم والمواعظ التي تهذب أخلاقه ناهيك عن الطرف والحزازير التي توسع مداركه وتدفع عقله الغض نحو مناهل العلم والمعرفة.

ومن جهة أخرى لا يخلو برنامج إذاعي أو تلفزيوني في جميع المحطات العربية من ركن يومي للأطفال يقدم لهم أحدث التمارين الرياضية وأجمل الأفلام والتمثيليات الفكاهية والأحاديث التربوية يقوم بتقديمها دورياً نخبة من الدكاترة والمختصين في هذا المجال، وكما أنه لم تعد هناك جريدة يومية أو أسبوعية تخلو من زاوية خاصة وأدب الأطفال، كذلك لم تعد تقام حديقة في جميع عواصم الوطن العربي ومدنه الكبرى دون أن يكون فيها زاوية خاصة بالأطفال ، تنصب فيها الأراجيح ، وتقام على جوانبها الألعاب و “الزحليطات” لتسلية الأطفال وبعث الحيوية والنشاط في نفوسهم وأجسامهم ، ولم تعد صورة أي وجيه رسمي أو أمير منطقة في الوطن العربي تظهر في المهرجانات والاحتفالات إلا وهو يحنو على الأطفال ويبتسم للأطفال.

ومن الطبيعي أن الغاية المرجوة من كل ما سبق تربية الطفل تربية صحيحة ثقافياً ونفسياً وصحياً لخلق جيل واع في المستقبل متمسك بأرضه وشعبه وتاريخه وعروبته ونظام حكمه ومستعد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل قيمه ومبادئه التي تعلمها منذ الصغر على حساب الدولة وفي سبيل هذه الغاية تنفق الدول العربية الملايين سنوياً ثمن كتب ومجلات وأفلام ومسلسلات إذاعية، ولكني أعتقد أن كل هذه الملايين تنفق سدى ، فكل ما يتعلمه الطفل العربي في هذه المرحلة وما يكتسبه من علوم ومعارف ومباهج وثقافات أدبية وتربوية هو بلا طائل .. لأنه ما أن يجتاز مرحلة الطفولة هذه ويدخل الحياة العربية الكريمة .. فإنه من أول دفشه في الباص وأول كلمة “رفاع رجلك يا حمار” (بالعسكرية) وأول لبطه على بطنه في مركز مباحث، سينسى المسكين حتى الحليب الذي رضعه من ثدي أمه .. ويبدأ من الصفر!

—————
محمد الماغوط – من كتاب سأخون وطني