ثنائية المنطق والمال
أضيفت بواسطة مستر بلوندMar 26
ليس هذا مفهوماً جديداً أو اكتشافاً عرفته مؤخراً .. تستطيعون أن تعتبروه إعادة توصيف أو إعادة تصنيع أشياء قديمة كانت موجودة منذ الأزل واُعيد اخراجها بطريقة حديثة ، المفهوم الأول والأسبق هو “المنطق” والذي نستدل عليه من خلال التفكير والإدراك والعمليات العقيلة التي يقوم بترتيبها العقل ، المنطق قد يكون سليماً وقد لا يكون ، قد يكون بنـّاءً وقد يكون هدّاماً ، فهو يـُقيم من خلال تقيمنا لأخلاقية وإنسانية صاحبه .. المفهوم الأخر “المال” الذي منه علة البشر جميعاً فالكل يسعى إلى المال بطريقة مشروعة كانت أم لا ، لأننا بواسطته نحصل على كل شيء نريده من منصب إلى جاه إلى حياة مرفـّهة إلى إعادة ترتيب وضعنا اجتماعياً إلى الدنيا بأسرها ..
الآن لو وحّدنا هذان المنطقان وجمعناهما ببوتقة واحدة واشترطنا أن نستخدمهما بطريقة أخلاقية كريمة وهذا مهم للغاية ، فإننا حينها نستطيع أن نصنع المعجزات وأن نملك الأرض وما عليها وأن نصنع الأعاجيب ونحرر العالم من بؤسه وجهلة ونعيش حياة عزيزة هنيئة ، وليس هذا ضرباً من الخيال أو تصوراً لمدينة فاضلة ..
فمن خلال “المنطق” السليم والقويم نستطيع أن نخطط ونتدبر سبل الحصول على “المال” المشروع من دون أن ندخل في غياهب الظلم والتجبر ، وبهذا “المال” نستطيع أن نكمل بناء “المنطق” الإنساني والتفكير القائم على المحبة والرعاية والأخلاق ، فهما شيئان متلازمان باستخدامهما المرشد نبني كل شي وبالتفريط بهما والإستهتار باستخدامهما نهدم حتى اللاشيء .. والأمثلة كثيرة ..
فالمتجبرون في الأرض يملكون المال ؛ بل والكثير من المال ولكنهم يفتقدون إلى المنطق الإنساني السليم ، ولذا لم ولن نرى منهم سوى الظلم والفقر ومذلة الحياة وسوء المآل ، أما على الجهة المقابلة فهناك الكثير من العقلاء والصالحين وذوي المنطق النظيف والعقل السديد ولكنهم للأسف افتقدوا إلى السلطة وافتقدوا إلى المال فلم نستطع أن نبني معهم الحياة التي نتطلع إليها .. المثال الأخير من تاريخنا الإسلامي .. النبي الأكرم (ص) جاء بالمنطق بل كان منبعاً لهذا المنطق ونقطة إلتقاء المعارف والعلوم الإنسانية جمعاء ، ولكنه رغم ذلك ما كان ليستطيع أن يوصل رسالته إلينا لولا المال والسلاح والدعم الذي تلقاء من عمه وزوجته الفاضلة ..
من هذه الثنائية ثنائية “المنطق” و “المال” نستنتج ثنائية أخرى مرادفة لها وناتجة منها وهي ثنائية “المنطق” و “السلاح” ، من الواضح أننا بالمال نأتي بالسلاح ولكني أجد لتوصيف هذه الثنائية الجديدة أهمية كبيرة ، فهي رمقنا الأخير وشعلة الأمل الوحيدة المتبقية في تاريخنا المقيت هذا ، أعتقد أن الفكرة وصلت ولذا سأنتقل إلى الأمثلة مباشرة ، أغلب الدول المهيمنة والمتغطرسة تملك المال والقدرات والسلاح الفتاك ولكنها تفقد المنطق وتفتقد للإنسانية تماماً فما كان منها سوى هذا الألم الذي نشعر به في صدورنا وهو يكوي قلوبنا .. المثال على الطرف الأخر الدعاة الجدد إنهم مثال للمنطق ومثال للتفكير القويم ولكنهم ما استطاعوا حتى الآن أن ينقذوا أمة أو يحرروا بلداً أو أن يرفعوا شعارات يحركوا بها ساكناً أو ينقذوا بها بريئاً أو يردوا بها عدواً ..
أما المصيبة فهي وجود السلاح ولكن في أيدي أصحاب المنطق العقيم والغبي حينها لن يكون حالنا سوى مزيدٍ من التخلف ومزيدٍ من التردي والغوص في مستنقعات الجهل وهذا ما نراه جلياً في بعض الحركات التي تصف نفسها بأنها “جهادية” وتدعي أنها تحامي عن الدين وعن المسلمين وتنطق بألسنتهم فما كان منها سوى الإساءة إلى القيم والأخلاق والإنسانية .. ولذا كان لا بد أن يجتمع المنطق المعقم مع السلاح الملقم لكي نرى الأعاجيب .. وهذا ما لمسناه ونراه في المقاومة الإسلامية في لبنان التي استطاعت أن تخلق المنطق أن تخلق الوعي وأن تغير هذا العقل البليد المهزوم الذي كان يدعي دائماً أن “العين لا تقاوم المخرز” وأن “من الجنون أن نحارب الجيش الذي لا يهزم” وأن “جيش اسرائيل هزم الجيوش العربية مجتمعة فكيف نستطيع نحن أن نهزموه” نعم هزمها ولكن في حرب مسرحية كان هدفها دفع العرب إلى اليأس والخنوع والإذلال والتمثل أمامهم بالهزيمة التي ليس بعدها مخرج ولا أمل ، تقرير فينوغراد أشار إلى “بضعة ألاف من المقاتلين” هؤلاء البضعة الآلاف استطاعوا أن يصمدوا ويوجهوا ويتحدوا العالم بأسره مدة 33 يوماً وبعدها صنعوا النصر .. وبعد كل ذلك ما زال الأذلاء منا يشحذون السلام الوهمي على مفارق طرق العالم ..
هل أتى ذاك النصر من منطق الضعف والهزيمة ، إم من منطق القوة والتفكر والعقل القائل “لا تقتلوا عملاء اسرائيل اقتلوا الأسرائليين أنفسهم ، اقطعوا رأس الأفعى فيموت زيلها لوحده” .. لقد جاء النصر من المنطق الصارخ في فلوات السماء “في الأمس كانت المقولة أنا أفكر إذاً أنا موجود ، الآن المقولة الأهم أنا أقاوم إذاً أنا موجود” .. وأيضاً من منطق معركة الوعي “صراعنا مع اسرائيل صراع وجود .. وليس صراع حدود” ..
إنها ثنائية مترابطة والأمثلة كثيرة سواءٌ لمن فشل حين اعتماد على احداهما دون الأخرى أو للذين فشلوا في استخدامهم لهذه الثنائية بالطرق الملتوية المقيته ، وهناك أيضاً الأمثلة المفيدة لمن استخدم هذه الثنائية بحسن وتدبر فصنع وحقق الخير والهناء ..




2 تعليق
بواسطة FaRaH M في March 28, 2008 الساعة 11:06 PM
صدقت … ثنائية تصنع المعجزات .. لكن هيهات أن يطبقها … سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الدول …
المصيبة أن كل من يملك المال يعتبر نفسه يمتلك المنطق والعكس غير صحيح ومنطق صاحب المال حتى لو كان خاص به وحده ولا أحد يعترف عليه … فهو منطقه لوحده ويكفيه كما يريد .. ! ولربما اكنت هذه ثنائية المال والأنانية والتي تصنع المصائب وتهدم كل شئ …
شكراً لك …
بواسطة علوش في April 6, 2008 الساعة 4:57 AM
كلام جميل جداً.
لا مكان اليوم إلا للمقاومة، ومن لا يقاوم مكانه مزبلة التاريخ.