ربما هي قناعتي التي توصلت إليها في النهاية .. إذا أردت أن تصلح مجتمعاً عليك ان تبدأ أولاً بإصلاح المرأة وليس الرجل .. واترك مهمة إصلاح الرجل للمرأة ذاتها فهي أقدر بذلك الأمر دون سواها .. ما كتبته في التدوينة السابقة كان مجرد أفكار سريعة مقتضبة عن تصور الإسلام لمكانة المرأة .. ولكني لم أقصد أن يُفهم مما كتبت بأنه درس دين، بل كان درس أخلاق وإنسانية ووعي بالدرجة الأولى .. ولهذا كان لابد أن أسهب في الشرح أكثر ..

“فساد المجتمع من فساد المرأة وصلاح المجتمع من صلاحها” لأنها صاحبة التأثير الأكبر على الرجل .. فهي التي تستطيع أن تغويه وتسلبه عقله وهي ذاتها التي تستطيع أن تهدئ من روعه وتحافظ على عفته .. هي الأم التي تستطيع أن تربي أطفالها على الأخلاق والوعي وأن تساوي بين الجنسين في التعامل والتربية وتحمل المسؤولية، فلا تترك إبنها يفعل ما يحلو له دون مساءلة وتحبس إبنتها في البيت خوفاً وتهديداً .. هي الأخت التي ترعى أخاها وتطعمه من حياءها ليعلم بأن بنات الناس ليسوا إلعوبة ومجرد وسيلة لمتعه الزائلة .. هي الزوجة التي تصون أخلاق زوجها وتكفيه وتشعبه فلا يمد عينيه إلى امرأة غيرها .. هي المحرك والأساس لأي مجتمع ولأي حضارة، فهي “نصف المجتمع وهي التي ولدت النصف الأخر” ..

لكن هل هي كذلك حقاً في مجتمعنا ؟؟ هل تمارس دورها السامي في بناء الأجيال وحماية الأخلاق ؟؟ لا .. والسبب : لأن مجتمعنا ذكوري التربية والأخلاق والمعاملة .. لا مكان فيه لصوت امرأة ولا لتأثيرها ولا حتى لرأيها ، لا مكان تلجأ إليه لتطالب بأبسط حقوقها في التعلم والعمل وتقرير المصير بل حتى بحقها في الحياة .. فعندما أتذكر جرائم الشرف لا يحضرني سوء عصور الجاهلية الأولى يوم كانت الفتاة تدفن حية في التراب بعد ولادتها .. فهل ما زلنا في ذلك العصر؟

ولكن إذا كان مجتمعنا ذكورياً فهل هذا عذراً لها لأن تتنازل عن أبسط حقوقها ومطالبها لتخدم هذا السيد المسيطر على حياتها وروحها وتسمح له بأن يستخدمها ويستعلمها كما يشاء ويرمي بها متى استهلك قدراتها وعواطفها .. في إحدى المرات كنت على وشك أن أطلق حملة بعنوان “يا نساء سوريا اتحدوا لوقف التحرشات ومنع المعاكسات” كنت يومها مقتنعٌ تماماً بأن الرجل يستحيل أن يعطيها حقها هكذا هبّة ومنّة ، ولذا عليها هي أن تنتزع حقوقها بيدها وبكل ما تملكه، باللين تارة وبالعنف نعم تارة أخرى .. يومها قلت أن أبسط حق للمرأة هو أن تمشي في الشارع من دون أن يعاكسها أحد أو يضايقها أحد ومن دون أدنى خوف في قلبها وعقلها ، يومها كنت لأطالبها بأن تستشيط غضباً لأي أحدٍ يزعجها وأن “تشرشحه وتضربه” في وسط الشارع بكل ما لديها من قوة ..

نعم كنت أطلب المستحيل منها، ولكني كنت متأكداً بأنه لو فعلت ذلك 100 امرأة فقط لتغير الوضع لصالحها كثيراً ولحصدتك نتاج ذلك فوراً ، ولو فعلن ذلك لما تجرأ شاب وقح على معاكستها مستقبلاً لأنه يعرف مصير فعلته تلك .. “فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفاً لما أقدم على الظلم” .. كان ذلك يتطلب تضحية وبداية صغيرة من بضعة نساء يخلدّ التاريخ أسماؤهن كما خلدّ أسماء غيرهن ممن طالبن بحقوقهن وحصلنّ عليها في الغرب ..

أعود لأكد بأن عليها أن تقوم بدورها كـ “أم و مربية” تصون الزوج وتربي الأطفال، صبرها وعزمها قادرين على تنشأة مجتمعٍ فاضلٍ قويٍ ولنا في نساء ألمانيا قدوة .. ذلك البلد الذي خسر رجاله وشبابه في حروب طاحنة فبنت نساؤه حضارة سامية راقية .. ولنا في نساء المقاومة اللبنانية والفلسطينية قدوة .. تلك المرأة التي تحملت عبء غياب زوجها في الجهاد لتكون الأم المربية التي تنشأ أطفال مقاومة جيلاً بعد جيل وتبني مجتمع مقاومة يوماً بعد يوم .. تلك المرأة التي تعطي زوجها سلاحه وتقبله بين عينيه وتدعو له بالنصرة والثبات .. تلك الأخت التي تصون عفتها وطهارتها كرماً لجهاده واستشهاده ..

لتتأكد نساء سوريا بأن حقوقهم ستبقى مسلوبة طالما بقينّ قابعين في زوايب العتة والجهل .. في حوانيت الألبسة والمكياج .. على أسطح الشرفات مع قهوة الغيبة والنميمة .. وطالما هنّ كذلك فلن تقوم للمجتمع قائمة ولن تنبى حضارة ، وكل ما ستلده وتربيه هؤلاء النسوة مستقبلاً سيكون أشباه رجال مشوهين .. لأن وراء الرجال العظماء “إمرأة” حقيقية ..