الكثيرون يعتقدون أن مناهج التعليم السورية هي من أفضل المناهج العربية ، بل وأن خريجي الكليات السورية يتفوقون على أقرانهم من الخريجين العرب في سوق العمل وفي مجالات الحياة ولا سيما في الخارج ، وهذا ما كنت مقتنع به شخصياً ولفترة طويلة ولكنني الآن أعتقد بوجود بعض المبالغة في هذا القول .. لنكن واقعيين .. هناك طريقتان في التعليم :

طريقة تعتمد على غزارة المعلومات وضخامتها وتعدد مصادرها مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى السطحية الفكرية وهذا شأن المناهج السورية ، وهناك طريقة تعتمد على معلومات محددة قليلة بسيطة قد تؤدي في النهاية إلى الفقر والضحالة في التعلم وهذا شأن بعض المناهج الغربية التجارية المستوردة ، أما عن سبب السطحية الفكرية رغم الكم الكبير والهائل من المعلومات فهذا مرده إلى طبيعة العقل البشري الذي يستوعب كم محدد ومنطقي من العلوم والتي من المفترض أن تكون واقعية مستمدة من التجربة ليسهل حينئذٍ حفظها وتذكرها ..

بعد هذا الشرح البسيط أود أن أسأل أي شخص سوري ما الذي تعلمه من جميع المناهج التي درسها أو على الأصح ما الذي يتذكره من كل ما تعلم ؟؟
القراءة ، الكتابة ، بعض العمليات الحسابية البسيطة ، معلومات جغرافية وتاريخية عامة ، في أفضل الأحوال بعض الأحاديث والآيات القرآنية .. أليس من الأفضل في هذه الحالة لو أننا بقينا على طريقة التعليم في المساجد التي تدعى “الكتاتيب” والتي كانت منتشرة لأكثر من أربعة عقود خلال الإحتلال العثماني .. هل هناك فرق بينها وبين طريقة التعليم الحالية؟؟ أو لأكون واضحاً هل هناك فرق في النتائج بين كلا الحالتين !!؟

في طريقة الكتاتيب كانت العصا من أهم أدوات وركائز التعليم ، الآن تعددت الأدوات ” الكل يتكتف، يالله لشوف ” ولكن بقي الهدف ذاته والمتمثل في إرهاب الطلاب من قوة المدرس .. في السابق كان التركيز على طريقة التلقين وعلى تجنب النقاش والحوار وعلى تغييب التطبيقات والمعارف العملية والمشاريع الإنتاجية وفرق العمل ، حالياً ما الذي تغير ؟؟
إذاً ما الفائدة من علم لا ينتج عملاً ، ما الفائدة إذا درس الطالب 16 سنة على الأقل من حياته ثم خرج بعدها إلى سوق العمل ليجد أن الشهادة قد تفيده مبدئياً في الوصول إلى الوظيفة ولكنها لن تفيده كثيراً في النجاح أو البقاء فيها لإفتقاده إلى الخبرة والمران .. هكذا شخص لن يستطيع العمل في المجالات التي تعتمد على طريقة تفكير رب العمل في الغرب والتي تقول: ” لو كنت تملك أعلى شهادة وجدت في العالم ولكنك لا تستطع أن تنجز لي ما أريد .. سأتركك وأبحث عن غيرك ولو كان أمياً ” ..

إذاً ما الفائدة من دراسة طالب الحقوق لقوانين قديمة ومعدلة وحتى لاغية وهو يعرف أنه لن يستخدمها طوال حياته بالوقت الذي يتجاهل واضعو المقرر مجرد الإشارة إلى القوانين الحديثة أو المعدلة على الأقل ..
ما الفائدة من دراسة طالب الإقتصاد لنظريات إقتصادية أكل عليها الزمن وشرب ، بالوقت الذي تتغير فيه المنهاج الغربية المتعلقة بالإقتصاد وإدارة الأعمال كل سنتين تقريباً ، ما الفائدة إذا كان طالب الإقتصاد هذا نفسه لا يستطيع العمل كمحاسب ما لم يتقن البرامج الحسابية المتداولة مهنياً وهو لم يتعرف عليها طوال فترة دراسته ..
ما الفائدة من دراسة طالب المعلوماتية لتاريخ ومراحل نشوء الكمبيوتر أو لغات البرمجة المخترعة منذ الأزل والمنسقة من الأزل ، بالوقت الذي يستطيع فيه “أولاد” في الغرب تكوين فيروس ونشره وتهديد أمن بلادهم القومي ..
حتى طالب الطب والصيدلة يشتكي كثيراً من المصطلحات الطبية المعربة بطريقة تفرض عليه أن يعدل شهادته السورية إذا ما أراد إستكمال دراسته خارجاً ..

لنتعمق أكثر : إذا كان ديكارت قال “أنا أفكر إذاً أنا أشك”، فالنظام التعليمي في سورية قائم في كثير من مفاصله على منع الشك واعتباره “تهمة” ، فالتاريخ العربي هو التاريخ المشرق الذي ورد في الكتب المدرسية، أما تاريخ سورية الحديث فهو يختصر بعدة صفحات تملؤها الأدلجة، وأبيات الشعر يحفظ شرحها صماً معها ولا يترك مجال للتأويل الآخر ، ولمسائل الرياضيات حل واحد هو ما يكتبه الأستاذ على السبورة ، فالتلميذ المجد ليس من يطرح الأسئلة الملائمة، بل الذي يعطي الأجوبة الصحيحة، هذا إن كان هناك وقت للأسئلة والحوار والمناقشة النقدية، فالمناهج السورية تمتاز بكتبها ذات الوزن الثقيل، وهي لا تترك فرصة للمعلم إلا أن يلقي الدرس ويكتب بضع كلمات على اللوح، ثم يسأل طلابه إن كان أحد لم يفهم أو لديه سؤال وغالباً لا يجد أي إصبع مرفوع ..

ولذلك فقد وصف أحد المدرسين نظام التعليم التقليدي بأنه يسجن عقل المتعلم في حذاء صيني ضيق يمنعه من الانطلاق والانتشار والشمول ، وبهذا تلعب المدرسة وحتى الجامعة دور إيديولوجي في إعادة إنتاج علاقات القوة والسيطرة وإنتاج قيم الطاعة والخضوع ليترافق محو أمية الطالب مع محو شخصيته…. هل أبالغ ؟؟