شآمُ، ما المجدُ؟ أنتِ المجدُ لم يغبِ… غنتها فيروز فانتشى السامعون طرباً على كلام سعيد عقل .. كيف لا وهذه المدينة خالدة كمعجزة الدهر .. فلم يزرها شاعر إلا وتغنى بها عشقاً .. ولم يزرها كاتب إلا وخطت يده سطوراً وكلمات بقيت صدّاحة في فم الزمان .. ولم يزرها ناسك إلا وسلبت منه عقله وقلبه وروحه .. فدعيني يا دمشق أذوب بين أحضانك .. أهيم بكأسي بين ذراعيك .. فالخطيئة عندك لا نحاسب عليها ..

سأكتب أنني كنت محظوظاً لأن الملائكة اختارتني لأربى في ربوعك وبين أحجارك العتيقة .. فكيف لي أن أنسى وجهك يوماً .. وأنت التي عكست الشمس ضياء عينيكِ وشعاع مقلتيكِ .. كيف لي أن أنسى أنفاسك يوماً .. وأنت التي أمددت زهور العالم بريحك وعبق ياسمينك .. كيف لي أن أنسى روحك يوماً .. وأنت التي ربطت جسدك بأخيلة الشعراء والأدباء والفقراء ..

سأكتب عنك يا دمشق حين يزورك المساء ليغطيك بحلته السوداء .. المزركشة بأضواء البيوت المتراكمة على جبلك الشامخ قاسيون .. وكأن تلك الأضواء الخافتة تحاول أن تخفي وراءها أصوات الضحكات المتناثرة هنا وهناك على شرفات منازلك وأسطح بيوتك .. حتى الآن لم أكتشف سر جمالك حين تلبسين ذلك الثوب؟؟ .. هل هو الليل الملهم الذي يخفي خلفه شجون نهارك ؟؟ .. أم أنه ذاك السهر مع زائرك الليلي الذي يفرش في نفوسنا ذكريات وخيالات .. عن أيام الصبابة والهوى .. وعن أيام المرح الماضي .. وأحلام الزمن الآتي ..

سأكتب عن بيوتك وسكانها .. عن جدران حاراتك القديمة المتكئة على بعضها .. وكأنها تخاف على نفسها من السقوط .. ليس حباً منها في البقاء بل حباً للناس الذين حضنتهم بين أضلعها .. للذين حمتهم طوال تلك السنين وتحملت عنهم برد الشتاء وحر الصيف من دون أن تأن أو تشكي .. حباً لأبناء المستقبل عساها تفصح لهم عن بعض أسرارها المخزنة بين حاراتها الضيقة وفي أروقتها المنـّمقة .. عساها تخبرهم عن بطولات وشهامة أجدادها .. عن أحاديث نساءها .. عن ضحكات أطفالها ودورانهم في أرض دارها وحول بحرتها ..

سأكتب عن طعامك يا دمشق .. عن ما لذ وطاب من أصناف موائدك الشهية .. عن تلك الأكلات التي اشتهرت دمشق بصناعتها دون غيرها .. وكأنها احتكرت لنفسها سر نكهتها .. اطوي الأرض شرقاً وغرباً وجرّب ما اشتهيت من الطعام .. ولكن لا تقنع نفسك أن تلك الموائد هي أشهى من موائدنا .. لأنها المكونات وحدها ليست هي السر .. أسرار طيبة طعامنا تكمن في النفوس المجتمعة حول المائدة .. في لعب الأطفال بالصحون والملاعق قبل أن يوضع الطعام .. في الضحكات الخافتة بين محبوبين جلسا بجانب بعضهما .. في نكهة أصابع الأم التي أشرفت وأضافت لمستها النهائية على كل قدرٍ طبخت به ..

سأكتب عن بناتك يا دمشق .. عن تلك الفتيات اللاتي سلبن القلوب والعقول بضحكاتهن الخافتة الخجلة .. عن وجوههن الجميلة التي تقطر حياءً وأدباً .. عن مشيتهن الخفيفة التي تعكس خلقاً وتربية .. عن استحيائهن الذي يكسر أشد القلوب صلابة .. عن لباسهن الأنيق .. عن ذوقهن الرفيع .. عن جمالهن .. عن تميزهن .. حتى اليوم لم أفهم من أين اكتسبن هذا التميز ؟؟ هل يا ترى من تلك المقولة التي تقول : إذا أردت أن تعيش حياة هنية فتزوج بنت شامية ..
(همسة بالأذن : أنا ما زلت مصر على والدتي أن أتزوج لبنانية :) .. ولكن لأجل الحق والحقيقة كتبت ما سبق )